سوريةُ والذُّكوريَّةُ

كلُّ البلادِ التي أُطلِقَت عليها أسماءُ الإناثِ، وحَكَمها الرجالُ قرونًا، عَرَفَت كيف يُدَجِّنونها، كيف يُؤنِّثونها بالقوَّة لتُرضي نزواتِهم، تُدارُ كدُويلةٍ ومدينةٍ ومومسٍ في آنٍ معًا. غير أنّ سوريةَ ـ هذه الأنثى المتناقضةُ، المتوحّشةُ، الفاتنةُ، المصلوبةُ بين فخذَي التاريخ ـ قد بَسَطَت شَعرَها الأشقرَ على خرائطِ الأرض، وعلّقَت حُلِيَّها على جِيد الزمان، وتباهَت بما امتلكَت من جمالٍ، وفنٍّ، وأدبٍ، وحضارةٍ، حتى غدت كالعروسِ التي يُغتصَبُ فِراشُها كلَّ ليلةٍ وتنهضُ في الصباحِ لتُزيّنَ نفسَها من جديد.
هي التي أَرضَعَت البشريّةَ أوَّلَ أبجديَّةٍ، وأولَ نغمةٍ موسيقيّةٍ، وأولَ صوتٍ غنائيٍّ، وأوَّلَ مدينةٍ مأهولةٍ في الوجود. وعلى خاصرتِها الشرقية، في صحراءِ البادية، حيث بئرُ الهمل منذ مليوني عام، اجتمع أربعةٌ: ثلاثةُ رجالٍ وامرأة. فأشهَرَ أقواهُم رمحَهُ وقال: "أنا حاميكم". وصَنَع أخبَثُهُم تمثالًا من طينٍ وقال: "هذا إلهُكم، وأنا كاهنُهُ عليكم". وأرسلوا ثالثَهُم إلى الصيدِ ليُطعِمَهم، أما المرأةُ التي لم يُكلِّفها أحدٌ بشيءٍ، فقد نهضَت وحدَها، مُتوَشِّحةً أرجوانَها، لتذرَّ فوق رؤوسِ البشر قمحًا وخمرًا وموسيقى وأبجديّاتٍ وآلهةً.
ومنذ ذلك الحين، لم تتبدَّل سوريّةُ كثيرًا؛ ما زالت تُبذَل ببساطتِها لتُرضي جنديًّا وكاهنًا، رجلًا يتباهى برمحِه، ورجلًا يتسلّطُ بتمثالِه، بينما هي وحدَها التي تمنحُ، وحدَها التي تُطعِمُ وتُغنّي وتُعلِّمُ وتُخصِبُ.
لكن اليومَ، أكوامُ التاريخِ قد عَجَزَت عن مُجابهةِ العار. ثقافةٌ كالجبل، مُكدَّسةٌ في أفواهِ المراهقين، فإذا فتَحتَ تحت إبطكَ وجدتَ وصيَّةً من آلاف السنين تذكِّرُكَ بما ورِثتَ، وكأنَّ بيننا وبينَ بلادِنا ثأرًا أبديًّا، فنقضي حياتَنا نُعذِّبُها، نُغتصِبُها، نَجلِدُها بأيدينا كما لو كانت جاريةً عاصيةً علينا.
أربعَ عشرةَ محافظةً، كلُّ واحدةٍ منهنَّ امرأةٌ حسناء: سمراءُ، شَقراءُ، صهباءُ، نحيلةٌ، بدينةٌ، عذراءُ، أو بغيٌّ متبرِّجة. كُنَّ كلَّهنَّ ملكاتٍ، فأصبحنَ كلَّهنَّ حبيساتٍ في كهفِ الذكورةِ المُظلِم، يمُتن قهرًا تحت سطوةِ رجالٍ نصَّبوا أنفُسَهم أوصياءَ على أجسادِهنَّ وخيراتِهنَّ. بعضُهنَّ أضرمنَ النيرانَ في أجسادِهنَّ ليصرُخنَ، بعضُهنَّ جَفَّت مآقيهنَّ حتى العدم، بعضُهنَّ ذبحْنَ أطفالَهنَّ، كلُّهنَّ ضحايا أسطورةِ الرجلِ والمرأةِ التي لم تنتهِ منذ بدء الخليقة.
هذه ليست فلسفةً، ولا عُقدةً، ولا ثأرًا مع الرجال، بل هي طاقةٌ ذكوريّةٌ متطرّفةٌ، طغيانٌ أعمى لا يعرفُ الشجاعةَ، بطشٌ فجٌّ لا يعرفُ الرحمة. هي القُوّةُ ذاتُها التي هَدَمَت حضاراتٍ قادتْها نساءٌ وسيداتٌ وملِكاتٌ، وغلبَتهنّ الذكورةُ لا بالحكمة، بل بالاغتصابِ والعنفِ، لا بالعدلِ، بل بالدمِ والسيفِ. أقاموا دولًا من اللحمِ والجماجمِ، ونحنُ ما زلنا نحصدُ خرابَها حتى اليوم.
منذ الفتوحاتِ التي سُمِّيَت "إسلاميّةً" ولم تكن إلّا غزواتٍ على جَسدِ الأرضِ والنساء، إلى الحملاتِ الصليبيّةِ التي رفعت صليبَها على دمائنا، لم يَبقَ إلّا الظُّلمُ. فلو كانت تلك الغزواتُ "حقًّا"، لبقيَت، لكنها انقرضَت، وما استمرَّ هو قهرُ المرأةِ والأرضِ معًا.
سوريةُ ليست غنيمةً للرجال، ولا مذبحًا للأديان، إنما هي رحمٌ للسلام، وبَذرَةٌ للفنّ، وجسدٌ للحبّ. مَن أرادَ بها شرًّا من أهلِها أو من أعدائِها، زَهَقت روحُه، لأنّها أُنشِئَت لتبقى أنثىً حرّةً، ولتبقى وطنًا للسلام، رغْمَ أنفِ الذكورةِ كلِّها.
