نون النسوة: نوال السعداوي والنسوية

لا تُختزل النسوية الحديثة في تاريخ واحد، وإن أسهمت الحركات النسوية في أوروبا والولايات المتحدة في تشكيل كثير من مفاهيمها المتداولة. ففي المجتمعات العربية، تشكّل النضال من أجل حقوق المرأة في سياقات تداخلت فيها النهضة والإصلاح والقومية ومقاومة الاستعمار، وتقاطعت فيها الأسئلة الدينية والسياسية والاجتماعية.
في هذا السياق، برزت نوال السعداوي بوصفها أحد أكثر الأصوات النسوية العربية صراحةً وإثارةً للجدل؛ صوتًا يصعب تجاهله، سواء اتّفقنا معه أم اختلفنا. كتبت من داخل التجربة، وعرفت بعض ما قاومته في جسدها وحياتها، ثم جعلت من الكتابة سبيلًا لكشف ما يُراد للنساء أن يعشنه في صمت.
يمكن قراءة مشروعها من خلال أسئلة لا تزال مفتوحة: مَن يملك حقّ تعريف المرأة؟ هل جسدها ملكٌ لها أم للمجتمع؟ هل حياتها الخاصة شأنٌ شخصي، أم مادة للتشريع والرقابة؟ هل يمكن أن تتحرّر اقتصاديًّا وهي مقيّدة اجتماعيًّا؟ وهل يكفي تغيير القوانين إذا بقيت الثقافة التي أنتجت التمييز على حالها؟
أولًا: المرأة والجسد — حين يصبح الجسد ساحةً للصراع
في قراءة السعداوي، تتخذ السيطرة على جسد المرأة صورًا متعددة: من الختان والعنف الجنسي إلى الوصاية على قرارات الزواج والإنجاب، وصولًا إلى اختزال قيمتها في معايير الجمال والقبح. ويجمع هذه الصور سؤالٌ واحد: إلى أيّ حدّ يُسمح للمرأة بأن تكون صاحبة القرار في جسدها؟
في كتابها «الوجه العاري للمرأة العربية»، تتناول السعداوي اضطهاد المرأة في سياقه الاجتماعي والتاريخي، وتربط ما تتعرّض له من عنف وتمييز بالبُنى التي تبرّره وتُبقيه قائمًا. ومن هذا المنظور، يمكن فهم الختان بوصفه فعلًا يتجاوز الاعتداء الجسدي إلى فرض الوصاية على الرغبة: رسالةً قاسية مفادها أنّ للآخرين سلطةً على جسد الفتاة تفوق سلطتها عليه.
هنا، يتّسع السؤال من وصف ما يحدث للجسد إلى مساءلة مَن يملك سلطة التصرّف فيه، ومَن يمنح تلك السلطة شرعيّتها. فالمشكلة لا تنتهي عند الفعل نفسه، بل تمتدّ إلى الثقافة التي تُجيزه، والمؤسسات التي تتسامح معه، والصمت الذي يحيط به.
ثانيًا: المرأة والسلطة — بين حدود البيت والدولة
المرأة التي تفتقر إلى الاستقلال المادي قد تُضطر إلى البقاء رهينةً لمن يُنفق عليها، والتي تُحرم التعليم تضيق خياراتها، والتي تُمنع من اتخاذ قرارات بشأن جسدها يُنتقص من استقلالها في حياتها. وحين تُقصى من المجال العام، تضعف قدرتها على التأثير في القوانين التي تحكمها. هكذا تتساند القيود، حتى يغدو العجز المفروض أسلوبَ حياة، والحياة قفصًا صغيرًا، والمطالبة بالمفتاح جنايةً.
في روايتها «امرأة عند نقطة الصفر»، تتكشّف هذه العلاقات من خلال شخصية فردوس؛ إذ يمرّ مسار حياتها بالفقر والعنف والاستغلال، داخل الأسرة والزواج والعمل. ومن خلال تجربتها، يمكن قراءة انتقال السيطرة بين مواقع تبدو مختلفة، بينما تُعيد إنتاج العلاقة نفسها: طرفٌ يملك سلطة القرار، وامرأةٌ تُطالَب بتحمّل تبعاته.
وتتيح الرواية قراءةً أخرى للعلاقة بين الجسد والصوت؛ فحين تروي فردوس حياتها، تصبح صاحبة الرواية عن نفسها، بعد أن طالما حدّد الآخرون قيمتها ومصيرها. بهذا المعنى، تترافق مقاومة السيطرة على الجسد مع مقاومة احتكار الكلام عنه. واستعادة الصوت جزءٌ من استعادة الحقّ في تعريف الذات.
ثالثًا: ازدواجية المعايير — خطيئة الحرية وفضيلة العبودية
لم تكن النسوية العربية تيّارًا واحدًا؛ فقد تعدّدت مرجعياتها ومواقفها من الدين والدولة والطبقة والاستعمار. وفي مشروع السعداوي، ارتبط نقد الهيمنة الذكورية بنقد الاستغلال الطبقي والاستعمار. لذلك، يمكن فهم نضالها بوصفه مواجهةً لسلطات متداخلة، لا تختزل اضطهاد المرأة في ثقافة بعينها، ولا تفترض أنّ التحرّر يتحقّق بمجرّد تبنّي نموذج غربي.
وهذا يقود إلى إشكالية أساسية: هل كلّ ما يُقال باسم «تحرير المرأة» يوسّع حريّتها فعلًا؟ ليس كلّ نقد يأتي من الغرب فعلًا استعماريًّا، ولا كلّ ممارسة محلية جديرةً بالدفاع عنها باسم الخصوصية. كذلك، لا يكتسب كلّ تأويل ديني قداسةَ النص الذي يستند إليه. والمعيار هنا هو ما يمنحه الخطاب للمرأة من قدرة على الاختيار، وما ينتزعه منها.
حين تُلاحَق المرأة بالإدانة في بيتها والشارع وحياتها الحميمة، ويشارك في محاكمتها رجالٌ ونساءٌ معًا، تُختزل إنسانيتها في وظيفة: جسدٌ يُراقَب، أو سمعةٌ تُحرَس، أو طاعةٌ تُطلَب. وعندما تُستدعى صورة الخالق لتبرير هذه الوصاية، تُختزل في وظيفة «شرطيّ مرور ميتافيزيقي» ينظّم رغبات الآخرين ويمنحها حقّ العبور إلى جسدها. عندئذٍ، يتحوّل توظيف النص الديني إلى مخدّر موضعي للوعي، يسكّن السؤال بدل أن يواجه الظلم.
أشدّ الأنظمة رسوخًا في القمع هو ما يجعل الظلم يبدو طبيعيًّا. فإذا اختُزل شرف العائلة في جسد المرأة، ووجودها في وظيفة زوجية، وعُدّت رغبتها عارًا، وفقرها قدرًا، وطاعتها فضيلةً مطلقة، لم تعد القضية تخصّ امرأةً واحدة؛ بل صارت قضية نظام يوزّع الحقوق والواجبات على أساس التمييز، ثم يقدّم هذا التوزيع كأنّه طبيعة الأشياء.
من هنا، تتجاوز «نون النسوة» وظيفتها في اللغة لتصبح، في هذا المقال، صورةً لجماعة تستردّ صوتها. فهي ليست مجرد نون تتصل بالفعل، بل علامة على انتقال النساء من موضوعٍ للحديث إلى ذواتٍ تتحدّث عن نفسها، وتشارك في تعريف حقوقها ومكانتها في المجتمع. ولعلّ قيمة العودة إلى السعداوي تكمن في إبقاء هذا السؤال حيًّا: كيف تستعيد المرأة حقّها في أن تكون صاحبة حياتها، وصاحبة القول فيها؟


