غادة السمان رئيسةً لسوريا

كلّ القضايا النسوية التي نواجهها في المجتمعات التي نشأنا فيها تعود إلى تاريخ كامل من البطش؛ تاريخ لم يكتفِ بأن يقع على المرأة، بل استقرّ في تعريفها لنفسها، وفي تعريف الآخرين لها، حتى صار الخروج منه يبدو خروجًا عليها. وكثيرات هنّ اللواتي اتخذن من النسوية نهجًا للتفكير والحياة، ومنهنّ مَن كانت هذه القضية حياتهنّ فعلًا، قبل أن تصبح عند آخرين مهنةً أو مكانةً أو سلّمًا لمآرب شخصية واجتماعية وسياسية وتجارية. لكن الفكرة في أصلها أقرب من كل هذه التعقيدات: امرأة بكينونة مجروحة، أرادت أن تثأر لقرون من الظلم، باستعادة ما انتُزع منها، لا باستعارة يد مَن انتزعه.
ولم يكن احتجاجها لأنها ضعيفة، أو لأنها فقيرة، أو لأنها لا تستطيع العيش من دون مَن يدافع عنها؛ كان، في كثير من الأحيان، لأنها تعرف نقيض ذلك عن نفسها. تعرف أنها قادرة، وأن العالم الذي يطالبها بإثبات قدرتها قد استهلكها طويلًا وهو ينكر وجودها. كانت تسبح في عالم أغرقته المادية وصار ملعبًا للذكور، فيما أُوكل إليها أن تمنح الحياة معناها ثم تقف خارج تقرير مصيرها. هكذا توزّع المشهد: الرجل مسؤول عن استمرار الحياة، والمرأة مسؤولة عمّا يجعل استمرارها محتملًا؛ وحين امتلك الأول أدوات الاستمرار، ظنّ أنه امتلك الحياة نفسها، وأن المعنى الذي تقدّمه الثانية ترفٌ يمكن الاستغناء عنه.
في هذه المسرحية الهزلية للمادة، كانت المرأة الخاسر الأول؛ كلما طالبت بنصيبها من السلطة قيل إنها تتخلّى عن أنوثتها، وكلما تمسكت بما تمنحه الحياة من معنى تُركت خارج حساباتها. كأن عليها أن تختار بين أن تُهزم بما هي عليه، أو أن تنتصر بالتخلّي عنه. ولم يكن هذا الصراع يدمّر المرأة وحدها؛ كان يجرّد الحياة من غايتها، ويُبقي استمراريتها تعمل بكفاءة مروّعة. نستطيع أن نواصل العيش، لكن لماذا نعيش؟ ذلك هو السؤال الذي أهملته سلطةٌ انشغلت طويلًا بإثبات قدرتها على إبقائنا أحياء.
وللرفض جذور بعيدة. حين كتبت كريستين دي بيزان، الإيطالية المولد التي عاشت وكتبت في فرنسا، «مدينة السيدات» سنة 1405، كانت تواجه إرثًا من تصوير المرأة بوصفها كائنًا أدنى. وحين نشرت عائشة التيمورية «مرآة التأمل في الأمور» سنة 1892، كانت تناقش ما اعتُبر حقًا مستقرًا للرجل في إدارة الأسرة، وتعيد مساءلة العلاقة بين سلطته ومسؤوليته. كان لا بدّ للمرأة أن تدافع عن نفسها حتى تدخل النقاش أصلًا. لكن المأزق يبدأ حين يستقرّ هذا الدفاع في صورة أحادية: الرجل يحتمي ببني جنسه، والمرأة تُدفع إلى الاحتماء ببنات جنسها، ويبقى منطق المعركة هو المنتصر الوحيد.
ما يعنيني هو الوعي الذي يأتي بعد ضرورة الدفاع، حين تكتشف المرأة أنها لا تريد حصةً في الأسلوب الذي أُخضعت به. وهنا أستدعي غادة السمان؛ لأنها، في القراءة التي أقترحها، نقلت السؤال من حرية المرأة وحدها إلى حرية الإنسان الذي لا تستقيم حياته باستعباد نصفه الآخر. قالت في حوار مع «المجلة العربية»: «لن تنال المرأة قضمة من خبز الحرية، إذا لم يكن الرجل حليفها»، وحدّدت انشغالها بتحرير العقل عند النساء والرجال معًا. لا تصلح حرية الرجل ثمنًا لحرية المرأة، كما لا تصلح عبوديتها ضمانًا لحريته؛ وما يبدو امتيازًا له قد يكون، في مستوى أعمق، تكليفًا دائمًا بحراسة سجنهما.
لم تضع غادة حريتها على طاولة النقاش لتسأل إن كانت تستحقها. ظهرت بها، وكتبت منها، وجعلت الآخرين يواجهون وجودها. سنة 1962 أصدرت مجموعتها القصصية الأولى «عيناك قدري»، في مجتمع سوري يحمل ذاكرة الحضارات والتعدد والثقافة، ويتطلّع إلى مظاهر الحداثة، لكنه يستطيع أن يرفض وقوع الظلم على المرأة بوصفها امرأة، ثم يقبل وقوعه عليها بوصفها إنسانًا؛ كأن الظلم مكوّن اجتماعي ضروري، وكأن المشكلة الوحيدة هي سوء توزيعه.
وهذه، في نظري، إحدى أكثر صور المساواة بؤسًا: أن ندافع عن المرأة حين تُضرب لأنها امرأة، ثم نطمئن إذا ضُربت مع الرجل؛ أن نستنكر حرمانها وحدها من الكلام، ثم نستريح إذا شمل الصمت الجميع. مجتمع يستطيع أن يحمي أنوثتها بشهامة، ويصادر إنسانيتها بضمير مرتاح. لا يعود الظلم ظلمًا ما دام موزّعًا بالتساوي، ويصبح الاعتراض عليه خروجًا على النظام الذي ضمن عدالة توزيعه. عند هذه النقطة لا يكفي أن تتحرّر المرأة من الرجل؛ يجب أن يتحرّر الاثنان من الاقتناع بأن القهر شرطٌ لازم لانتظام الحياة.
وفي «عيناك قدري» ما يكشف هذه الآلية من داخل النفس. طلعت، التي حملت اسمًا ذكوريًا في ظل رغبة الأب بابن، تحاول إثبات أنها ليست أقل من الرجال كفاءة. وفي المشهد الذي تتأمل فيه ساعة الحجاز، تتماثل آلية حياتها مع دوران العقارب: العمل، العودة، التكرار. ثم تتخيّل الساعة تتمرّد على وظيفتها، ويتجمّع الناس لرجمها. كأن المجتمع يستطيع احتمال كل تناقضاته، لكنه لا يحتمل أن تتوقف إحدى أدواته عن أداء الدور المرسوم لها. لا تحتاج غادة هنا إلى خطبة عن القمع؛ يكفي أن تتخيّل ساعةً تريد ألّا تدقّ.
خرجت غادة من بيئة دمشقية ميسورة ومثقفة، وكان في وسعها أن تعيش ما تتيحه لها من حماية ومكانة. وهذا ما أربك التهم الجاهزة: امرأة جميلة ومتعلمة، سليلة عائلة معروفة، لا تصلح بسهولة للصورة التي يريدون إلصاقها بكل امرأة تتمرّد؛ أنها تفعل ذلك لأن أحدًا لم يحبّها، أو لأن الحياة رفضتها، أو لأنها تعوّض نقصًا في نفسها. لم تكن هذه الصفات برهان حقها، لكنها عطّلت أعذار مَن يرفضون الاعتراف بالحق. كانت تقول بوجودها إن المرأة تستطيع أن تجد مكانًا مريحًا في العالم، ثم ترفض الطريقة التي رتّب بها العالم أمكنة النساء.
ولم يبقَ هذا الرفض محفوظًا داخل امتياز البداية. تشير دراسة لسيرتها إلى صدور حكم غيابي بحقها سنة 1966 بالسجن ثلاثة أشهر بسبب مغادرتها سوريا دون الإذن المطلوب منها بوصفها موظفة، وإلى ما تلا ذلك من اضطراب في العمل وقطيعة عائلية وتهديد بالملاحقة. عرفت معنى أن تصبح حريتها عبئًا على أمانها، وأن تعيش خارج الحماية التي كان يمكنها الاحتفاظ بها لو قبلت شروطها. لم تكن الحاجة إلى الاستقلال عندها زينةً تضاف إلى حياة مستقرة؛ صارت الاستقلالية نفسها سببًا في زعزعة الاستقرار.
هنا تقترب تجربتها من تجربة صاحب الفكرة الذي يغادر الموقع الذي أُعدّ له، ثم يكتشف أن عليه أن يدفع ثمن الموقع الذي اختاره. لا تصنع المعاناة وحدها مفكرًا، لكن ثمة فرقًا بين مَن يصف الحرية من شرفة آمنة، ومَن يكتشف أن أبواب العودة قد تُغلق لأنه استعملها. كما عرف ماركس المنفى والعمل الفكري خارج وطنه، عرفت غادة الغربة والعمل والكتابة بعيدًا عن ضمانات البداية؛ وعلى اختلاف التجربتين، لم يكن السؤال منفصلًا عن الحياة التي اضطر صاحبه إلى عيشها.
وحتى في الحب لم تقبل أن تعيش نسخةً مبتورة من نفسها. حين أصدرت «رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان» سنة 1992، كانت كاتبةً متزوجة وصاحبة مشروع نشر، وقد بلغت الخمسين، ومع ذلك لم تتصرّف كما لو أن العمر أو المكانة يلزمانها بمحو تاريخها العاطفي. ثم نشرت «رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان» سنة 2016، وعاد الارتباك نفسه: امرأة لا تستحي من كونها معشوقة، ولا تتعامل مع الحب باعتباره ملفًا ينبغي إتلافه قبل دخول التاريخ.
عاشقة في محبرة، ومعشوقة على الورق، وكاتبة تعرف أن الرجال الذين حوّلهم الناس إلى رموز ظلّوا بشرًا قادرين على الارتباك أمام امرأة. وفي مجتمع قد يقلقه أحمر الشفاه أكثر مما تقلقه مصادرة الفم الذي يضعه، كان لهذا الحضور استفزازه الخاص. ويبقى نشر الرسائل قابلًا للنقاش من جهة خصوصيتها، لكن النقاش لا يفسّر وحده ذلك الغضب من امرأة لم تُخفِ أنها كانت طرفًا في الحب، ولم تجعل الاعتذار عنه مقدمةً للاعتراف بأدبها.
كانت تعيش أدوارها، وتترك للأدوار أن تتجاور دون أن يلغي أحدها الآخر: امرأة وكاتبة وعاملة وزوجة ومحبوبة وصاحبة قرار. وحين أسست «منشورات غادة السمان» سنة 1978، صار للاستقلال وجهه العملي أيضًا؛ فالكاتبة التي تملك صوتها تحتاج إلى قدر من السيطرة على الطريق الذي يسلكه هذا الصوت نحو قارئه. هنا تلتقي المادة بالمعنى من جديد، بعد أن فُصلا طويلًا لمصلحة مَن احتكر أدواتهما.
لهذا تبدو تهمة أنها بلا قضية عاجزةً عن فهم ما تقدّمه. وكيف نقدّم الحرية قضيةً، وهي حق؟ وكيف نسمّيها مطلبًا، وهي جزء من تكوين الإنسان، وغيابها يبتر كينونته؟ ربما تبدأ قضيتها الحقيقية حين يحصل الإنسان عليها ويعرف ماذا يفعل بها؛ حين يستطيع أن يقدّمها في الأدب والموقف والحب والعمل، فيرى الآخرون أنها ليست شيئًا جميلًا يُضاف إلى الحياة عند توافر الظروف، بل ما يجعل الحياة حياةً تخصّ صاحبها. وإلا فكيف نقبل أن يكون خلاص الإنسان الأخير مرادفًا لوفاته؟
وفي «بيروت 75» اتسع السؤال من الفرد إلى المدينة. صدرت الرواية سنة 1975 قبيل الحرب الأهلية اللبنانية، ورأت خلف واجهة المدينة ما كان يتراكم من اختلال. وفي أحد مشاهدها يبدّل فرح لافتة الترحيب ببيروت بلافتة مستشفى الأمراض العقلية. وقد أوضحت غادة أنها كانت أقرب إلى هذه الشخصية مما افترضه النقاد الذين بحثوا عنها في ياسمينة. الرجل الذي بدا مجنونًا كان يرى جنون المدينة؛ والمرأة التي كتبتْه لم تحتج إلى جسد أنثوي كي تضع فيه وعيها.
تلك واقعية الكاتب التي تعنيني: أن يقرأ الانفجار قبل أن يصير خبرًا، من العلاقات الصغيرة التي اعتاد الناس المرور فوقها. منذ كنت في الصف السابع وقرأت مقطعًا من أدبها في كتاب اللغة العربية، بقيت غادة مرتبطةً عندي بذلك الاكتشاف؛ أن العالم يمكن أن يكون مختلًا فيما يطالبك الجميع بالتكيّف معه، وأن المرأة التي غابت حريتها عن المشهد لم تغب وحدها، بل غاب معها أحد الشروط الضرورية لتوازنه.
ومن هنا أصل إلى غادة السمان رئيسةً لسوريا. إلى الاسم بوصفه فكرةً عن الموقع الذي ينبغي أن يحتلّه هذا الوعي، وعن وطن يستطيع أن يستعيد معناه من كاتبة، بعدما استهلكته خطابات الذين وعدوه بالنجاة. وما يجعل هذه الصورة ملحّةً عندي هو التاريخ الذي تعلّم فيه الاستبداد أن يغيّر لغته، وأن يدخل إلى الناس من أكثر جراحهم صدقًا.
بعد أفول الدول الكبرى التي حكمت منطقتنا، من الأموية إلى الفاطمية والعباسية وصولًا إلى العثمانية، لم تنتهِ الحاجة إلى شرعية تفسّر للناس لماذا يحكمهم مَن يحكمهم. تبدّلت أشكال الحكم ومصادر الوعد، ووجد الإنسان نفسه أمام مشاريع جديدة لفهم المجتمع وإنقاذه. وفي هذه المسافة أرى ثلاث صور متداخلة لاستثمار الحاجة إلى الخلاص: استغلال النظام الاجتماعي، ثم استغلال الدين، ثم الخطر الذي يقترب اليوم من الفكر النسوي. ليست عصورًا مغلقة تتسلّم الواحدة منها العالم بعد اختفاء الأخرى؛ إنها أدوات تستطيع السلطة أن تجمعها، أو أن تغيّر ترتيبها كلما استهلكت إحداها قدرتها على الإقناع.
في الصورة الأولى، وجد الإنسان المقهور مَن يفسّر له أن فقره ليس عيبًا في طبيعته، وأن موقعه في المجتمع ليس قدرًا أخلاقيًا يستحقّه. حين طوّر ماركس مع إنجلز نقد الرأسمالية، كانت المسألة تتجاوز تفاوت الثروات إلى تفاوت القدرة على تقرير المصير: مَن يملك الأرض والمصنع، ومَن لا يملك سوى جهده ليعيش. وكان للظلم وجهٌ اجتماعي يضاعف وجعه؛ يُحتقر العامل الذي تقوم على عمله ثروة الآخرين، ويُعامل الفقير كما لو أن فقره اعترافٌ بنقصه. من هنا اكتسب الوعد بالتحرّر قوته: أن يفهم المقهور أن ما يحدث له قابل للتغيير.
وأجد في تجربة غادة ما يقابل هذه النقلة على مستوى آخر. فالمرأة التي تُعامل أنوثتها بوصفها سببًا كافيًا لتقليص حياتها تحتاج إلى مَن يكشف لها أن القيود ليست تعريفًا لها، كما احتاج العامل إلى مَن يفصل بين إنسانيته والموقع الذي وُضع فيه. ماركس سأل عمّن يملك ثمرة العمل وشروطه؛ وغادة، كما أقرأها، تجعلنا نسأل عمّن يملك حق تعريف المرأة، وتسمية رغباتها، وتحديد ما يجوز لها أن تصير إليه. لا تتطابق المسألتان، لكنهما تلتقيان عند احتكار القدرة على تقرير حياة الآخرين.
ولذلك لا أضع غادة إلى جوار ماركس لمجرّد المبالغة في مكانتها، بل لأنني أرى في أدبها قابليةً لأن يُقرأ بوصفه مشروعًا اجتماعيًا يتجاوز احتجاج الفرد. فإذا استطاع الفكر الاشتراكي أن يجعل علاقة العامل بعمله مدخلًا إلى قراءة المجتمع، تستطيع النسوية التي أجدها عند غادة أن تجعل علاقة المرأة بحريتها مدخلًا إلى قراءة العائلة والأخلاق والثقافة والسلطة. وعندها لا تعود المرأة ملفًا من ملفات المجتمع؛ تصبح الطريقة التي يعاملها بها كاشفةً عن حقيقة النظام كله.
لكن المسافة بين الفكرة ومَن يتولّون إدارتها هي موضع الكارثة الممكنة. سقطت القيصرية في فبراير 1917، ثم أطاح البلاشفة الحكومة المؤقتة في أكتوبر؛ ولم تكن الشيوعية وحدها سبب سقوط النظام القديم، فقد تضافرت الحرب والمظالم والأزمات. غير أن السلطة السوفييتية التي تشكّلت لاحقًا جعلت تمثيل العمال أساسًا لشرعيتها، وانتهى هذا التمثيل إلى احتكار حزبي. صار مَن يتكلم باسم الطبقة يقرّر ما يجوز لأفرادها قوله. ثم انهار الاتحاد سنة 1991 تحت أزمات متشابكة، بعدما اتسعت المسافة بين وعد التحرّر وممارسة الحكم.
هذا هو الدرس الذي أريد نقله إلى سؤال غادة والنسوية، بدل تركه فصلًا منفصلًا في تاريخ الشيوعية: تستطيع القضية أن تبقى عادلة فيما يصبح المتحدث باسمها مستبدًا. يستطيع العامل أن يظل مستغَلًا تحت لافتة حكم العمال، وتستطيع المرأة أن تظل مسلوبة القرار داخل خطاب يتحدث بلا انقطاع عن تحريرها. الخطر ليس في أن تنجح الفكرة فحسب، بل في أن تنجح جماعتها إلى الحد الذي تعجز فيه الفكرة عن محاسبتهم.
ثم تأتي الصورة الثانية: حين تُستثمر الحاجة إلى المعنى الديني في بناء سلطة سياسية واجتماعية. لم يولد الإسلام السياسي بعد انهيار الشيوعية؛ فقد تأسست جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928، وتعايشت هذه التيارات مع اليسار وتصارعت معه. لكن ما يتشابه هو طريق الوصول إلى ثقة المقهور: هناك وعدٌ باستعادة ثمرة العمل، وهنا وعدٌ باستعادة الجماعة وهويتها وعدالتها. وعندما يلبس الموقف السياسي قداسة الدين، يمكن أن يصبح الاعتراض على صاحبه طعنًا في شيء أكبر منه بكثير.
في هذا المجال حضرت أسماء مثل سيد قطب وعلي الطنطاوي ومحمد متولي الشعراوي، مع اختلاف مواقعهم وأفكارهم وأدوات تأثيرهم. لا أجعلهم مشروعًا واحدًا، ولا أنسب إليهم مسؤولية واحدة عن العنف؛ إنما أنظر إلى ما يحدث للصوت حين تحيط به حصانة تمنع السؤال. متى يتجاوز احترام المتحدث الديني إلى منحه حق تحديد ما يقرؤه الآخرون، وما يحبّونه، وكيف يعيشون؟ ومتى تتحول الطمأنينة التي يمنحها الإيمان إلى خوفٍ من مخالفة المفسّر الذي يتحدث باسمه؟
حينها يعود الإنسان إلى الموقع نفسه، وإن تبدّلت لغة الوصاية: عليه أن يقبل ما يُفعل به من أجل خلاصه. ويغدو الكاتب خطرًا لأنه يعيد إلى القارئ القدرة على السؤال. ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ سنة 1994 إحدى الصور الفادحة لهذا الانتقال، حين يصل الاعتراض على الأدب إلى جسد صاحبه، ويصبح على الفكرة أن تدافع عن حقّ حاملها في البقاء حيًا.
ولذلك حين أستحضر قاسم أمين ونوال السعداوي وغادة السمان ونزار قباني ومحمود درويش وغسان كنفاني، وأستحضر في العلم سميرة موسى ومجدي يعقوب وأحمد زويل، فإنني أفكّر في المساحة التي تجعل المعرفة جزءًا من حياة المجتمع، وفيما يحدث حين تضيق هذه المساحة بينما تتسع منابر الطاعة. لا أقول إن المواهب انقطعت، بل أسأل: مَن صار يملك سلطة تفسير العالم للناس؟ ومَن يستطيع أن يحوّل خوفهم وأملهم إلى نفوذ؟
وهنا تقف الصورة الثالثة أمامنا: النسوية، بما تحمله من قضية حقيقية وجرح ممتد، وبما تتيحه أيضًا لمَن يريد استثمار ذلك الجرح. أخشى أن تصل إليها الآلية بعدما استهلكت وجوهٌ من المشاريع السابقة صدقيتها؛ أن يتقدّم مَن يكتشف في المرأة جمهورًا جديدًا للخلاص، فيعيد ترتيب الكلمات ويحتفظ بطريقة الحكم. يمنحها اسمًا جديدًا لحريتها، ثم يشترط عليها أن تستعمله وفق تعريفه وحده.
لا أخشى المرأة التي تعرف حقها؛ أخشى مَن يحتاج إلى احتكار شرحه لها. أخشى أن يُطلب منها الانتماء إلى خطاب قبل أن يُعترف بألمها، وأن تصبح قدرتها على الاعتراض على ممثليها دليلًا ضد وعيها. وعندها يكون الدب قد دخل الكرم فعلًا: استُدعي لحماية الثمر، ثم صار صاحب الحق في تقرير مَن يقترب منه.
من أجل هذا أعود إلى غادة. أعود إلى امرأة لا تختصر المرأة في جرحها، ولا تختصر الرجل في مسؤوليته عنه، ولا تجعل الحب خيانةً للموقف، ولا تجعل الاستقلال امتناعًا عن العلاقة. في أدبها ما يسمح للفكر النسوي بأن يصير مشروعًا ثقافيًا متوازنًا، قادرًا على فهم الاجتماع الإنساني بدل الاكتفاء بتوزيع الاتهام داخله. وهذا، في تصوّري، ما يجعلها بديلًا فكريًا من تجربة الخلاص التي انتهت إلى إلغاء أصحابها: أن يبدأ التحرّر من إنسان كامل، لا من عضو مثالي في جماعة تتكلم نيابةً عنه.
كما صار للفكرة الشيوعية عالمٌ ينتظم حولها، أتخيّل للفكرة النسوية اتحادها الثقافي؛ فضاءً يجمع مَن يرون أن حرية المرأة تعيد ترتيب علاقة المجتمع كله بالحرية. وغادة في قلب هذا التصوّر، بوصفها قيادةً فكرية يمكن أن تحرس المعنى من الذين يريدون تحويله إلى امتياز. لا أبحث لها عن كرسي إضافي؛ أبحث عن الموقع الذي يجب أن تحتلّه فكرتها في بلد تعلّم طويلًا أن ينظر إلى صاحب السلطة قبل أن يسأل عمّا يستحق السلطة.
وقد نستعير لفهم مقاومة هذا التحول صورةً من المراحل التي ارتبطت بإليزابيث كوبلر روس وكتابها الصادر سنة 1969: الإنكار والغضب والمساومة والاكتئاب والتقبّل. أستعيرها هنا لحركة المجتمع أمام ما يهدّد عاداته، لا بوصفها قانونًا علميًا لتاريخ الأفكار؛ فحتى في سياقها الأصلي لا تمثّل مسارًا إلزاميًا يمرّ به الجميع بالترتيب نفسه.
ينكر المجتمع أولًا أنه ظلم المرأة، لأن الاعتراف بذلك يجرح صورته عن نفسه. ثم يغضب منها لأنها سمّت ما تعلّم إخفاءه، ويعدّ صوتها اعتداءً على هدوئه. وبعد الغضب يساوم: يمنحها التعليم ويحتفظ بتقرير مصيرها، يسمح لها بالعمل ويصادر ثماره، يحتفي بنجاحها ما دام لا يغيّر موقعها منه. ثم قد تأتي وحشة العالم القديم وهو يفقد بداهته، قبل أن يصبح التقبّل ممكنًا؛ أن يستطيع المجتمع رؤية المرأة حرةً دون أن يشعر بأنه يتعرض للإلغاء. غير أن الفكرة قد تُسرق في أي موضع من هذا الطريق، وقد يُقدَّم خضوع جديد بوصفه المرحلة الأخيرة من التحرّر.
لهذا أريد لغادة أن تستعيد موقعها في النقاش، لا لأن صمت الشاشة يعني صمتها. لقد شرحت في حوار سابق أن ابتعادها عن التلفزيون بدأ بعد تجربة مع محاوِرة لم تقرأ أعمالها، وتحدثت عن عزلتها للكتابة. ما أفتقده هو حضور تجربتها بوصفها احتمالًا للمستقبل، بدل حصرها في رسائل حب أو صورة كاتبة متمرّدة من زمن مضى. نحتاج إلى أن نقرأ ما فعلته، لا أن نكتفي بالإعجاب بأنها تجرأت على فعله.
وسوريا التي تستدعي زنوبيا لتفاخر بصورة امرأة حكمت، تستطيع أن تسأل نفسها لماذا يظل حضور المرأة استثناءً صالحًا للاحتفال أكثر مما هو حقّ صالح للعيش. لا يكفي أن نرفع امرأةً من الماضي فوق الرؤوس، ثم نطالب نساء الحاضر بخفض أصواتهن. ولا يكفي أن نقول إن هذه البلاد عرفت الحضارة، إذا كنا نستعمل تاريخها لإخفاء ما نعجز عن منحه لإنسانها اليوم.
لهذا، غادة السمان رئيسةً لسوريا. لأن بلدًا يرفض ظلم المرأة كامرأة، ثم يقبل ظلمها كإنسانة، يحتاج إلى مَن يعيد تعريف العدل قبل أن يعيد توزيع المناصب. ولأن المجتمع الذي تعاقبت عليه وعود الخلاص يحتاج إلى عقل يميّز بين تحرير الإنسان والاستيلاء على قضيته. ولأن المرأة التي عاشت أدوارها دون أن تعتذر عن اجتماعها تستطيع، في هذه الصورة الأدبية، أن تتقدّم على الذين لم يسمحوا للناس إلا بالدور الذي ينفعهم.
يا غادة، قبل أن تتحول النسوية إلى لافتة أخرى فوق الباب نفسه، نحتاج إلى ما في تجربتك من قدرة على إبقاء الإنسان خارج ملكية الفكرة وممثليها. نحتاج إلى أن يتقدّم المعنى الذي كتبتِه، وأن يمنع الذين سيأتون باسم المرأة من أن يفعلوا بها ما فُعل بالعامل باسم طبقته، وبالمؤمن باسم إيمانه. لقد أنهكنا إسقاط الأصنام بعدما تنتهي من استهلاك أعمارنا؛ ولعلّ رئاستك التي أتخيّلها تبدأ من هنا: ألّا يصبح تحرّرنا، مرةً أخرى، الاسم الذي يحكموننا به.


