الرَّقِّيُّون
الرَّقِّيُّون؛ بينَ مِطْرَقَةِ تُوتُلٍ وسِنْدَانِ الرَّقَّة – سَحْنُ الحَضَارَةِ تَحْتَ وَطْأَةِ التَّهْمِيش

لم تَكُن تُوتُل، تلكَ المدينةُ المطمورةُ تحتَ تُرابِ شّمالِ الشَرق السوريّ، مَجَرَّدَ أطلالٍ نَحفِرُها بِفضولِ عالِمٍ أركيولوجيٍّ مُتعَبٍ مِنَ الغَبارِ، بَل كانتْ المِرآةَ الأولى التي انعكسَتْ عليها مَلامِحُ الرَّقَّةِ قبل أن تُولَدَ الرَّقَّةُ ذاتُها. وكانتْ تُوتُل — أو ما سمّاه السومريُّون «دولةَ البابِ المُقدّسِ إلى السَّماءِ» — مدينةً للآلهةِ وللمُلوكِ وللشّعبِ الذي كانَ يزرعُ النّهْرَ لا الحقلَ، ويُؤمنُ بأنَّ الماءَ كائِنٌ ناطقٌ، وأنَّ الطّينَ سِيرةٌ تُكتَبُ بمِسماريٍّ لا يَفْنى. وتُعرَفُ تُوتُلُ اليوم باسمِ " تَلّ البيعة " القريبةِ من مدينةِ الرّقّة (محافظة الرّقّة)، تحديدًا عند التّقاءِ نهريْ البليخ والفرات.
ومن رُكامِ تُوتُلَ انبثقَتِ الرّقّةُ بعدَ قرونٍ طويلةٍ، كأنّها ابنةٌ نُبِذَت من رحمِ حضارةٍ وُئِدَت في طُفولتِها، ثُمّ وُلِدَت من جديدٍ في عُصورٍ بلا ذاكرةٍ، بلا مَعبَدٍ ولا قَدَرٍ. فَبينَ تُوتُلَ والرّقّةِ سِلْسِلَةٌ من التَّهجيرِ والتّهشيمِ، ومن التَّقديسِ إلى التّهْمِيشِ، ومن لغةِ المِسماريِّ إلى صَمْتِ الإسفالِتِ الحديثِ.
الحوريّون، أولئك الذين عبُروا من سوبارتو نحو تُوتُل، تركوا آثارًا لا تُمحى في العِظامِ قبلَ الحجرِ؛ كانوا زُرّاعَ الرّوحِ قبل أن يكونوا بنّائي المدنِ. عَرَفوا أنَّ الحضارةَ لا تُقاسُ بعددِ الأسوارِ، بل بعددِ النُّفوسِ التي تَسكُنُ الحُلمَ. واليوم، بعدَ آلافِ السّنين، نجدُ أبناءَ الرّقّةِ — الرّقِّيُّونَ — أحياءً بين الرُّكامِ، لكنّهم مَدفونون في رمزيةٍ تُشبهُ تلكَ التي دُفنتْ تُوتُل. تُسحَنُ مَلامِحُهم تحت مِطْرقةِ النّسيانِ، كما سُحقَت من قبلُ رموزُ الملوكِ الحوريّينَ تحتَ سِندانِ الأكّاديّينَ.
في تُوتُل، وتحديدًا في موقعِها التاريخيِّ، اكتُشِفَت ألواحٌ إداريّةٌ من العصرِ البابليّ القديمِ، مؤرَّخةٌ قرابةَ (2000-1900 ق.م) كانت تَسجِلُ شؤونَ المدينةِ وعلاقاتِها مع المدنِ المجاورة. وتلكَ الألواحُ تُنبّهُنا بأنّ المكانَ لم يكن مجرّدَ محطةٍ هامشيّةٍ بل رأسُ مطبخٍ حضاريٍّ، يُدارُ فيه الصّكُّ والطّينُ والواجبُ والملكُ والعابدُ.
كانتْ تُوتُلُ في أوجِ عُزّها تخضعُ لولايةِ ملوكٍ محليّينَ قبل أن يُضمّوا إلى رقعةِ المُمالَكاتِ الكبيرةِ، ومن أشهرِ أولئك الملوكِ في نطاقِ الحوريّين-الميتانيّين: Tushratta (≈ 1358-1335 ق.م) الذي كان يُعرِّفُ نفسه «ملكَ الحوريّين» في مكاتباتِه. ومن بعدِه جاءَ Shattiwaza (≈ 1330-1305 ق.م) الذي نُصِبَ بعد معاركَ طاحنةٍ وانقلاباتٍ سياسيّةٍ. تلكَ الأسماءُ ليست مجرَّدَ تسمياتٍ بل رموزُ تحوّلٍ وتراجُعٍ، كأنّها صَدى لمصير الرّقّةِ اليومَ.
ما أشبهَ اليومَ بالأمسِ! لقد استُبدِلَ الطِّينُ بالباطونِ، لكنَّ البُؤسَ هو البُؤسُ. واستُبدِلَ المِسماريُّ بالحروفِ اللاتينيّةِ، لكنّ الغُربةَ واحدةٌ في النّطقِ والمعنى. الرّقّةُ اليومَ تُعيدُ كتابةَ مَصيرِ تُوتُل، ولكن بلغةٍ أفقرَ، وبذاكرةٍ أقصرَ، وبجُرحٍ أعمقَ. كانتْ تُوتُلُ مدينةً تُخاطبُ الآلهةَ، أمّا الرّقةُ فمدينةٌ تُخاطبُ الغيابَ.
هنا، حيثُ تتقاطعُ الحضاراتُ وتتناسلُ المقابرُ، لا يعودُ الإنسانُ إلّا ظِلًّا باهتًا لأسلافِه. الرّقِّيُّ المعاصرُ يمشي فوقَ الأرضِ التي كانت مَعبداً، فلا يشعرُ بشيءٍ. يبني بيتَه فوقَ أطلالِ ملكٍ حوريٍّ قديمٍ، ولا يعلمُ أنّه ينامُ على أَجفانِ التّاريخِ. إنّهُ يعيشُ تحتَ وَطْأةِ التّهميشِ، لا لأنّهُ منسيٌّ، بل لأنّهُ لا يَذكُرُ. يُرغَمُ على أن يُسحَنَ كالحضارةِ التي أنجبتهُ، في مِطحَنةٍ من التّكرارِ والعزلةِ والحرمانِ.
ولئن كان الحوريّونَ قد أضاعوا لغتَهم أمام الأكّاديّين، فإنّ الرّقِّيّينَ اليومَ يُضاعِعونَ ذاتَهم أمام صَخبِ الحداثةِ. لا لغةٌ تُجمِعُهم، ولا ذاكرةٌ تؤنِسُهم، ولا حُلمٌ يُوحِّدُهم. بينَ مِطْرقةِ تُوتُل التي طُمِسَت تحت الرّملِ، وسِندانِ الرّقّة التي تُطْمَسُ تحت الإعلامِ والمِعماريِّ والرّقميِّ، يُسحَنُ الإنسانُ الرّقِّيُّ سَحْنًا، حتى يغدو مزيجًا من الخيبةِ والعِنادِ، ومن الحنينِ والغُربةِ.
لكنهُ، لَعَلَّ الرَّجاءَ ما زال يُقيمُ في الصَّدْعِ بينَ المِطْرقةِ والسِّندانِ. فكما تنبُتُ زهرةُ الحَبَقِ من بينِ الحِجارةِ القديمةِ، يُمكنُ أن يَنبتَ وعيٌ جديدٌ من بينِ أطلالِ تُوتُل والرّقّةِ معًا. وعيٌ يُعيدُ للإنسانِ شرفَ الكلمةِ، وحرارةَ الانتماءِ، وكرامةَ الحُلمِ. إنّ الرّقِّيّ الحقَّ، كما الحوريُّ القديمَ، لا يُبنى بالحجارةِ بل يُنحَتُ في الضّميرِ. فإذا استعادَ هذا الإنسانُ ذاكرتهُ، استيقظَتْ تُوتُلُ من رُقادِها، وارتفعت الرّقّةُ من رُكامِها.
هكذا، سيكتملُ الدَّورُ، وتلتقي المدينةُ الأمّ بالمدينةِ الابنةِ في مصالحةٍ أبديةٍ، لا تُحاكمُ فيها الحِجارةُ، بل يُحاكمُ فيها النّسيانُ. فهل يُولَدُ الرّقِّيّ الجديدُ من رحمِ تُوتُلِ القديمةِ؟ أم سيبقى، إلى ما شاءَ الله، يُسحَنُ في صمتٍ، تحتَ وَطأةِ التّهْمِيشِ، وفي ظلّ حضارةٍ نُسِيَت لأنّها لم تُدوَّن إلّا بمِسمارٍ من طِينٍ ؟
